أخبار عاجلة

نحن .. الحل

ماذا يريد المصريون من الرئيس القادم (2)

د. باسم خفاجي

تبدأ في مصر جولة جديدة من الانتخابات .. الشورى .. والشعب .. والرئاسة، وسيتحدث الكثيرون عن حلول مشكلات مصر .. البعض سيرفع شعار "الإسلام هو الحل" .. وآخرون سيقولون "الديمقراطية هي الحل" .. وفريق سيقول "الاستقرار هو الحل" .. وهناك فريق أكبر عدداً من كل هؤلاء يقول "لا يوجد حل".  هذه الفرق أو المجموعات الأربعة تشكل الخريطة السياسية الحقيقية في مصر اليوم .. مصر مقسمة ومنقسمة بين من يرون الإسلام هو المخرج من كل المشكلات .. ومن يراهنون على الديمقراطية والليبرالية، ومن يريدون بقاء الحال على ما هو عليه، وأخيراً من لا يكترثون عملياً، وإن كان لسانهم يلهج بالشكوى في كل مناسبة.

238104_mn66comلا أظن أن أي من الشعارات الأربع يصلح لمصر اليوم.  وبالطبع سيكون هذا التقرير مزعج للجميع.  فريق "الإسلام هو الحل" سيتهم بعض أنصاره من يقول إنه ليس الحل بالخروج من الدين، أو بالنكوص عنه، أو بمجاملة الغير.  بالتأكيد أن الإسلام يحمل بين تعاليمه حلول لكل مشكلات البشر .. ولكن الإسلام دين يحمله بشر ويلتزمون به أولاً قبل أن يكون حلاً لمشكلاتهم .. يرتضونه دون أن تكون في صدروهم غصة أو رغبة في التهرب من التزامات هذا الدين .. هو بذاته ليس حلاً لمن اختار عدم الالتزام به.  هذه حقيقة مجردة لابد من التوقف عندها لمن يقولون أن حل مشكلات مصر اليوم هو في "الإسلام" هكذا دون تفصيل .. ودون برامج عمل .. ودون نتائج على أرض الواقع .. بل أحياناً تكون الممارسات بعيدة كثيراً أو قليلاً عن هذا "الإسلام".

بعض ممن يتحدثون اليوم عن أن "الإسلام هو الحل" .. يستخدمون الشعار فقط، ولكن ممارساتهم السياسية أو الإنسانية لا توحي أنهم قد اختاروا بحق الإسلام حلاً لمشكلاتهم هم، ولا أدري كيف نقول ما لا نفعل، ونحزن إن لم يصدقنا الناس أو يتعاطفوا معنا.  ليس هناك من يمنع أي منا أن يطبق الإسلام في علاقته هو بربه، وعلاقته بأسرته ومجتمعه، وأسلوب عمله، وصدقه في القول والعمل، ومعاملاته المالية مع الغير، وطريقته في السير في الطرقات، ورحمته بالخلق أجمعين، وحرصه على من حوله من الناس .. ليس هناك من يمنع أي منا من هذه الممارسات التي تحض عليها الأديان، وعلى رأسها الإسلام .. وعندما لا نفعل .. فكيف ندعيه حلاً لمجتمع لا يلتزم به .. ولأفراد ينادون بشعار لا يلتزمونه.

شعار "الإسلام هو الحل" .. أصبح مجرد شعار تم تفريغه عملياً من المحتوى .. وأصبح وسيلة لتحقيق مكاسب ضئيلة للشعب المصري، رغم قيمته السامية وصحته أيضاً .. ولكن عندما يبتعد الشعار عن الواقع .. يصبح فقط مؤثراً في كسب التعاطف الانتخابي لا أكثر ولا أقل، على الأقل لمن يتابع واقع تجربة عملية استمرت ثلاثة عقود من استخدام هذا الشعار.  أنصار هذا الفريق أيضاً يريدون أيضاً مجتمعاً مصرياً بمواصفات خاصة لكي يتم تطبيق الشعار عليه، ولا يقبلون بشعب مصر كما هو، بل يريد بعضهم مجتمعاً من "أهل العزائم" .. أي من الأتقياء الأنقياء الأطهار .. وليس من "أهل الرخص" .. أي البسطاء الباحثين عن الحد الأدنى من العبادة أو الالتزام. هذا البعض تلمس من كلامه أنه يتمنى تحول كل المجتمع إلى "إسلاميين" .. وكأن هذا الشعار أفضل أو أعلى من "مسلمين" .. ويتناسى وجود "مصريين" ممن قد لا يكونوا قد اختاروا أو وافقوا على الشعار أو حتى الدين نفسه.  هذه حقيقة ماثلة في المجتمع المصري ليس من الممكن استبدالها بمجتمع طوباوي يمثل مدينة فاضلة لا توجد إلا في الخيال، ولم توجد في عصور من قبلنا ممن هم خير منا، ولهذا فالحل عندهم في حقيقة الأمر أن نتغير نحن أولاً كي يستطيعون عندها تطبيق الشعار.  وهل هذا حلاً لمصر اليوم؟

أما أنصار شعار "الديمقراطية والليبرالية هي الحل" فهم يتصورون أن مجرد تبادل السلطة والحضور إلى صناديق الانتخاب على النسق الغربي سيجعلنا نلتحق بركب الحضارة، وسيكون هو نقطة بداية خلاص مصر بطريقة ما من مشكلات الأمية والفقر والبطالة وعجز نظام التعليم .. وانهيار النظام الصحي في بلدنا، وفقدان البشر للكثير من القيم التي كانت صمام أمان المجتمع المصري لعقود طويلة.  مجرد أننا نستبدل رئيس بآخر في انتخابات نزيهة .. ستبدأ المشكلات في حل نفسها بنفسها.

هم أيضاً لا يقدمون لنا أي رؤية أو برنامج عمل .. يخدرون الأمة بأن مشكلاتها هي فقط في نزاهة الانتخابات .. أو تعديل مادة في الدستور تسمح لهم بالدخول إلى المنافسة على منصب ما.  هم يطالبون بحق لا شك فيه، ولابد أن يحصل عليه الشعب المصري بطريق أو آخر .. ولكنه لن يكون حلاً في ذاته.  هو مطلب مشروع ولكنه ليس حلاً لمشكلات مصر .. ومجرد المطالبة به وحده هو خداع ووهم.  لو تغير رئيس مصر اليوم وكل من يحكمها دون أن تكون لدينا خارطة طريق حقيقية وعملية للنهوض .. فلن تحل المشكلات التي نعاني منها.  كذلك فإن أنصار هذا الفريق لا يقبلون بالشعب المصري الشرقي المتدين .. يريدون "مصري معدل" .. "مصري ويسترن" لكي يلائم المشروع .. هم أيضاً يريدون منا أن نتغير أولاً ..لكي ينجحوا هم في تطبيق شعارهم، وهل هذا حلاً لمصر.

الفريق الثالث هو فريق "الاستقرار هو الحل" والمقصود هنا بالاستقرار بقاء السلطة في يد نفس الفريق لأن التغيير سيأتي بالمصائب كما يدعون.  الخطاب السائد عند هذا الفريق أن التغيير سيحول مصر إلى طالبان على ضفاف النيل .. أو إلى فوضى عارمة .. أو إلى دولة مفككة منكفئة على ذاتها، أو إلى دولة يتم تسييرها من الخارج من قبل دول تدعم المرشحين المنافسين أو تريد أن تكون مؤثرة في الحياة المصرية السياسية عن طريق رموز تصنعها تلك الدول.  التخوفات السابقة كلها مفهومة، ولابد من ألا يتحول التغيير إلى طريق ممهد لأي من هذه السيناريوهات المفزعة حقاً، ولكن التغيير ليس شراً في ذاته بل هو سنة الحياة، وسيحدث شئنا أم أبينا.  فإذا كان التغيير سيحدث، ولا يناقض الاستقرار، فلم الخوف منه؟

بالتأكيد هناك شريحة واسعة منتفعة من مصر بوضعها الحالي، ولا تبالي بمعاناة عشرات الملايين من البشر، بل أنها لا تبالي بمصر نفسها، وهذه الشريحة هي التي تمارس كل أنواع الضغط على كل فئات المجتمع المصري لرفض أي تغيير يضر بمصالحها هي.  وهذه الشريحة ليست كالشريحتين السابقتين التي تسعى كلاً منهما إلى تغيير الإنسان المصري إلى "مصري إسلامي" .. أو "مصري ويسترن" .. هذه الشريحة ترى أن المصري عبء على الدولة .. وأنه سبب المشكلات التي تحياها تلك الشريحة .. ولذلك تجدها اليوم تحاول بشتى الطرق الانفصال عن هذا الشعب .. مدن ذات أسوار لساكنيها فقط .. نوادي للصفوة فقط .. قرى ذكية لمن يقدرون الذكاء في الاستقرار فقط .. بيوت محاطة بكاميرات المراقبة والأسوار المنيعة لإبعاد المتطفلين .. نحن!  هذه الشريحة لا تريد إلا "المصري الميت"، أما الحي فهو عبء لابد منه لكي تستمر المنافع والمزايا والتطلعات.

%d8%b5%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%87%d8%b1%d8%a7%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%8a%d8%b2%d8%a9-%d9%85%d8%b5%d8%b1-8

الفريق الأخير، وهو أخطر فريق مقارنة بالفرق السابقة فهو فريق "لا يوجد حل" .. إنه نحن .. من لا يكترثون .. من يقولون أن البلد "طول عمرها حالها مايل" .. من يحلمون بالقفز من السفينة .. بالهجرة بعيداً عن مصر .. أو بالهجرة النفسية والانعزال داخل مصر .. من يقولون "وأنا مالي" .. وأصحاب مدرسة "وطي رأسك للريح" .. وأنصار "خليك في نفسك" .. وزعماء "إطبخي يا جارية .. كلف يا سيدي" .. و"ما فيش حل"  .. و"خليك جنب الحيط" .. ما أكثر هذه العبارات في ثقافتنا .. العبارات التي تجعلنا مشاهدين أو خدم في بلدنا .. العبارات التي تكرس الإتكالية والتراخي والبحث عن الحلول خارج مساحة حياتنا.  نريد "صلاح الدين" .. ونريد "البرادعي" .. ونريد "جمال" .. ونريد "أي أحد" يتحمل مسؤولية مصر لكي نتخلص نحن من عبء تأنيب الضمير.

هذا الفريق بارع في تحليل المشكلات .. ووصف الحال .. ومنهمك في توصيف الداء .. ولكنه لا يهتم بصرف الدواء أو حتى الحث على تناوله.   هذا الفريق لا يرى أنه جزء من المشكلة .. ولا يرى أنه طريق الحل.  المخطئ قد يكون النظام .. وقد يكون الإسلام .. وقد يكون الغرب وإسرائيل .. وقد يكون وقد يكون .. ولكنه لن يكون أبداً أنا وأنت.  نحن لسنا أبداً في مقام "الفاعل" ولا "الفعل" .. نحن دائماً "مفعول به".  هذا الفريق ينتظر النجدة من أي جهة عدا نفسه.  ما أعجب الحال أن يكون هذا الفريق يمثل أكثر شعب مصر اليوم. والحل في نظري يبدأ من هذا الفريق.

التقيت منذ فترة بأحد أعضاء مجلس الشورى .. وهو عمدة في قريته .. رجل فاضل حقاً .. كنا خارج مصر .. نشاهد تقدم دولة من دول الجوار المسلم .. ووقف ليتحدث إلى وفد رجال أعمال من تلك الدولة كنا في زيارته ليقول بالمصرية الخالصة: "كل دولة تبنيها رجالتها .. وانتم رجالة بنيتم بلدكم .. ولكم حق تفخروا بيها .. وإحنا في مصر رجالة لازم برضه .. نبني بلدنا" .. ما أجمل عبارته وما أدقها .. وهي الحل .. نحن .. شعب مصر .. الحل.  ليس الحل في أي شعار من الشعارات السابقة رغم نبل أحدها .. ونجاح الآخر في حل مشكلات شعوب أخرى .. ولكن الحل في مصر هو .. نحن.

نحن .. شعب مصر لابد أن نتحمل مسؤولية تحسين وضع مصر .. لن تنهض مصر بفرد أو بشخص مهما كان .. ولن تنهض أبدأ دون أن يقوم أبناء مصر بحمل أمانة نهضة مصر.  ليس مهماً من كان سبباً في تردي الحال إلى ما هو عليه اليوم .. الأهم هو أن ننهض ونسابق أحلامنا.  لسنا بحاجة إلى "مصري معدل"، ولكننا بحاجة إلى استنهاض القوى الكامنة في الإنسان المصري، وهي قوى هائلة ساهمت في نهضة البشرية، وبحاجة إلى من "يخدش هذه العبقرية" ، ويعيد ظهورها.

لسنا بحاجة إلى "مصري معدل" .. نحن بحاجة إلى "المصري الأصيل" .. المصري الذي نقل وصفه عن خير خلق الله بأنه من خير أجناد الأرض .. وحتى لو لم يثبت صحة الحديث فبلا شك أن المصري من خير أهل الأرض لو أدرك نعم الله الله عليه وعلى وطنه .. نحن .. الحل! لو تعلمون.